“التسامح”.. ضمان للبقاء ومنهج حياة

الرئيسية / ساحة الرأي / “التسامح”.. ضمان للبقاء ومنهج حياة

زكية زاده

مستشارة دولية في التعليم والتربية

 

غاية سامية نسعى إليها على المستوى الانساني، هي أن نفتح أعيننا برؤية إيجابية للآخرين، تتيح لنا رؤية وتعظيم مزاياهم والجوانب الإيجابية في حياتهم وشخصياتهم، وأن نفتح قلوبنا لحب الآخر وقبوله..
إنه الحلم الإنساني في العيش بعالم يسوده الحب والسلام، وتسمو فيه القيم والمبادئ النبيلة القائمة على احترام وتقدير الآخرين، والتعاطي بإنسانية مع الآخر بعيدا عن المكدرات والتجاذبات الإنسانية الفردية والمجتمعية.. عالم تسود فيه مفاهيم الحوار و”التسامح” وتقبل الآخرين، وتنتفي فيه النزعات الإنسانية القائمة على مشاعر الغضب والسلبية وردود الأفعال غير البناءة.. عالم نتعاطى فيه العلاقات بتبادلية إنسانية راقية بمعاملة الآخر على النحو الذي نود أن يعاملنا به (عامل الناس مثل ما تحب أن تعامل)، ونتقبل فيه الآخر رغم فروقاته وتناقضاته واختلافاته معنا على نحو يجعل من هذه الاختلافات أو تلك التناقضات أسلوبا لتحقيق التكامل والانسجام بيننا وبين الآخرين..
تلك القيم التي ناضل من أجلها “المهاتما غاندي” وعمل على تأسيسها لخلق عالم مليئ بالحب والسلام وخاليا من العنف والكره والانتقام. وهي ذات القيم التي سعي لتكريسها مانديلا ليحقق من خلالها السلام والراحة والهدوء لموطنه ومواطنيه رغم اختلافاتهم وإرثهم التاريخي المؤلم..
إنه “التسامح” الذي تتنادي به الإنسانية جمعاء، ليكون سبيلا لتحقيق السلام وبناء علاقات مجتمعية قائمة على الحب والاحترام والتقدير والقبول، فـ”التسامح” هو السبيل الأسمى للقضاء على النزاعات والحروب، على نحو يحقق الوحدة والتضامن بدلا من الاستمرار في الصراعات التي تستنزف طاقاتنا وامكانياتنا في مواجهات سلبية تهدف إلى القضاء على الآخر أو إضعافه..
والتراث الثقافي للأمم المتحدة يشتمل العديد من الأمثلة، التي تشهد على التحول والانتقال في تصور “التسامح” من القيمة الأخلاقية، إلى مستوى الحق المنصوص عليه تشريعيا في منظومة مواثيق حقوق الإنسان، باعتباره ركيزة أساسية لحقوق الإنسان والديمقراطية والعدالة واحترام الحريات الإنسانية العامة..

وقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1996م يوما دوليا لـ”التسامح”، هو التاسع عشر من نوفمبر، ودعت جميع أعضائها للاحتفال به كل عام، وقد أكد إعلان المبادئ الذي اعتمدته الجمعية العامة على أن التسامح هو وحده الذي يضمن بقاء الإنسانية طالما كان التنوع والاختلاف هو أمر ملازم للوجود الإنساني وسنة كونية لا مناص عنها.. وقد حرص إعلان المبادئ على تعريف التسامح بنفي الفهم المغلوط عنه فهو لا يعني عدم المبالاة، أو القبول بكل شيء دون أي تحفظ، بل هو يعني احترام التنوع الذي يزخر به هذا العالم وقبوله والتصالح معه، وهو في جوهره “اعتراف بحقوق الإنسان للآخرين”..
إن احتمال التباس معاني “التسامح” بغيرها من المفاهيم السالبة تستدعي ضرورة العمل على الصعيد التعليمي للتعريف بجوهر التسامح وضرورته، لذلك كان دور الحكومات محوريا في تبني المعاني الواردة في إعلان مبادئ التسامح الأممي عبر النظم التعليمية وهذا يتطلب بالضرورة إعادة النظر في كثير من المناهج التعليمية التي تدرس للناشئة وتغذي فيهم روح التعصب والانغلاق والكراهية..
ولذا ينبغي أن يكون واضحا للجميع، أن “التسامح” ضرورة لبقاء الإنسانية وتطورها، وهو ضروري في هذا الوقت أكثر من أي وقت مضى، خاصة وأن العالم يزداد اتساعا وثراء وتنوعا بشكل سريعا وفاعل، وكما توجد تحديات حقيقة أمام سيادة معاني التسامح تعكسها الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة إلا أنه بالمقابل توجد فرص كبيرة لصالحه أهمها ثورة الاتصالات التي جعلت الفرق بين “المحلي” والعالمي “مجرد” نقرة..

إن ممارسة “التسامح” هي الأساس الذي يتيح للأمم والشعوب التعايش فيما بينهم في وئام وسلام ضمن أجواء من التوادد والتآخي.. ومن أجل تعزيز ودعم هذا المبدأ، يجب أن تغرس مفاهيم وقيم “التسامح” في نفوس وعقول الأطفال والناشئة، من أجل أن نعد وندعم هذه القيمة بحياة جيل من الشباب المؤمن حقا بها (كمبدأ للحياة وأسلوب للعيش)، فالطفولة هي البيئة والأرض الخصبة التي تتعاظم النتائج والفوائد من الاستثمار فيها..

إننا نأمل في إدراج معاني “التسامح” ضمن أنشطة وبرامج وخطط الشعوب والأمم والحكومات والمجتمعات المدنية والمؤسسات الأهلية الوطنية والمحلية، من أجل عالم أفضل ترجح فيه فرص السلام والتعاون والتحاور وقبول الآخر، وتتقلص فيه مساحات الاختلاف والصراع والإقصاء والتعصب، وليكن حاضرا في أذهاننا جميعا أن التسامح – وهو القيمة التي ما خلا منها مذهب أو معتقد أو دين أو ثقافة – ليس مجرد مانع للحروب والعنف، بل هو أيضا حافز للإبداع والابتكار والتجديد والاكتشاف..

 

عن arabfhr

شاهد أيضاً

download

الفيدرالية العربية تدين الهجوم الإرهابي وسط العاصمة السويدية ستوكهولم

تدين الفيدرالية العربية لحقوق الإنسان بشدة الاعتداء الإرهابي الذي وقع يوم الجمعة قرب مقر البرلمان …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *