حماة للحقوق والحريات … وركائز للوطن

الرئيسية / ساحة الرأي / حماة للحقوق والحريات … وركائز للوطن

د. منى هجرس

رئيس جمعية معاً لحقوق الإنسان

في العام 2011 عصفت بالوطن العربي رياح التغيير، التي آمنا لوهلة إنها نسائم الخير، قبل أن ندرك إنها رياح العصف ونسائم الخريف، وما لبثت أوطاننا أن عصفت بها الكوارث وعمتها الحروب وشملتها الإنتهاكات، وأدركنا إننا بحاجة إلى ثورة أخرى من أبناء الوطن لصد تلك الرياح، ووقف هذا النزيف الوطني الشامل، ومن عتمة سواد تلك الأيام التي مرت على خليجنا خاصة وبلدان الوطن العربي عامة،

انبثقت في العديد من البلدان مجموعات آمنت بقيم ومبادئ حقوق الإنسان وضرورة احترامها وحمايتها، وفي الوقت نفسه أدركت ما نحن بحاجة إلى أن نعمل سوياً  لتحقيقه ضمن مشروع وطني شامل لحماية المكتسبات الوطنية والمحافظة على تنمية وتقدم أوطاننا بشعوبها ومقوماتها وركائزها، فانطلقت تلك الجهود وتضافرت تلك الأيادي، لتأسيس عمل حقوقي يستند إلى الحق ولا شي غير الحق… يقف في وجه الظالم أي كان ومن كان، ويدافع عن المظلوم أي كان ومن كان. وعملت تلك الأيادي الوطنية طوال تلك السنين تجمع الليل بالنهار من أجل أن ترى نهاية مضيئة للنفق الذي نسير فيه شعوباً وحكومات بوطننا العربي، أو بريق ضوء يحثنا بالأمل لمواصلة العمل والمضي في السير لنهاية الطريق.
والآن، وقد استقرت الأوضاع في العديد من بلداننا العربية والخليجية، نجد تلك البذرة التي انطلقت قبل سنين مع بدايات خريفنا العربي أو ما يحلو للبعض أن يطلق عليه “الربيع العربي”، نجدها قد اينعت ثمارها في العديد من بلداننا، شباباً وشابات آمنوا بكل ما تضمنته شرعة حقوق الإنسان الدولية، ليس لإنها قيم أصيلة ومبادئ سامية فقط، بل إنها جزء أصيل من ديننا الإسلامي الحنيف، ذكرها الله في كتابه الكريم قبل 1400 عام في قوله تعالى ” ولقد كرمنا بني آدم”، وعلمنا إياها رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة للعالمين في حديث “كل المسلم على المسلم حرام، دمه وعرضه وماله” وحديث ” من آذى ذمياً فقد آذاني”، ليكون بحق رسول الإنسانية، انخرطت تلك الأيادي الشابة اليافعة، يدها بيد بعض وقلوبها على قلوب بعض. يجمعها جميعاً الوطن الذي هو حاضنة الجميع، ويحكمها الدستور والقانون الذي هو حصن وركيزة العدالة والحرية والكرامة. ويدفعها جميعاً حبها لوطنها وإنتمائها إليه.

عملوا طوال تلك السنين القليلة من عمر الزمن في مجال حقوق الإنسان، إلتزموا فيها بالحيادية والمصداقية والنزاهة، لم يحابوا أحدا في الحق، ولم ينتصروا لأحد في الباطل، نادوا بالحقوق والحريات والكرامة، وأسسوا عملاً قائماً على الشمولية والمصداقية، فلا إقصاء لأحد ولا إستهداف لآخر، لا مبالغة أو كذب في الحقائق ولا إخفاء أو تمييع للواقع. آمنوا أن الحقوق والحريات والكرامة هي قيم إنسانية سامية، وهي حقوق أصيلة توجد بوجودنا، لا يجوز أن تصادر أو تمنع، ولكنها حقوق قائمة على الشراكة والإعتدال، فالشراكة هي ما يحقق العدالة لنا جميعاً في إستخدام الحقوق، والإعتدال هي ما يبعدها عن تعسف البعض في إستخدام تلك الحقوق أو تطرف الآخر في المطالبة بها أو العمل على تحقيقها. من هنا انطلقوا في عملهم، بشراكة حقيقية مع الجميع، انفتحوا دون خوف من أحد أو رجاء لآخر، هدفهم الوطن، يصونونه ويعلونه، والإنسان يحترمونه ويحمونه.

واليوم … نراهم في الكثير من المحافل المحلية والإقليمية والدولية، نجدهم في الداخل في عمل دؤوب ومستمر لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وبناء شراكة حقيقية فاعلة لتحسين أوضاع حقوق الإنسان بأوطاننا. بارزين إقليمياً ودولياً، وقد تصدروا المنابر بشموخ وعزة، يملئهم الإيمان بالقيم والمبادئ الإنسانية، ويحدوهم الأمل في غد أكثر إشراقاً وعدالةً وكرامةً ومساواة، نجدهم في الخليج وقد تضافرت جهودهم في شبكات حقوقية وجمعيات تعلي من شأن حقوق الإنسان ضمن المنظومة الخليجية الشاملة التي أسست لكياننا الخليجي العربي، وفي الوطن العربي وقد تعززت آلياتهم بالتنسيق في الجهود والمتابعة في العمل، تواقون بشغف لتطور تلك المنظومة الخليجية والعربية لتكون بحق أمة عربية، ومستشعرينها واقعاً ملموساً وحقيقياً في حياتهم، تأسس لكرامة الإنسان العربي وتعمل على ضمان حرياته وتدافع عن حقوقه وتمنحه العدالة التي يستحقها ويتطلع إليها، وهي مسألة تستحق المزيد من البحث والإهتمام والعناية من قبل أنظمتنا العربية، وفي الوقت نفسه هي جهود ذاتية وشبابية تستحق كل الدعم من المؤسسات الأممية والدولية والقطاع الخاص الذي أصبح جزءً هاماً وأصيلاً في معادلة حقوق الإنسان ضمن الرؤية الحديثة لعام 2015 بضرورة التركيز على قضية (حقوق الإنسان والأعمال)، سواء على مستوى الدول أو المؤسسات والهيئات الإقليمية.

وعلى الصعيد ذاته نجد لزاماً علينا أن نشير إلى العديد من القضايا الحقوقية التي تستحق منا جميع أن نوليها الإهتمام البالغ، فلا يجب أن تستمر الإنتهاكات بأوطاننا دون معالجة أو محاسبة، كما لا يمكن أن يسمح للبعض بأن يفسدوا الأوطان ويرهبوا المجتمعات ويستحوذوا على الحقوق ويصادروا الحريات، كلاهما لا يمكن السكوت عنه أو الرضى به، وكلاهما مسئولية تقع مسئوليتها على الدولة التي هي حامية للحريات والحقوق، وضامنة للأمن والسلم والعدالة. فالغاية أن يتحقق السلام والخير للجميع، وأن يشعر الإنسان بكرامته ويعيش حريته وينعم بالعدالة لنفسه ولغيره أفراداً ومجتمعات ومؤسسات ضمن إطار القانون وحاضة الوطن.

 

عن arabfhr

شاهد أيضاً

المعضلة في هجرة القُصَّر غير المصحوبين بذويهم إلى أوروبا (الجزء الأول)

نبذة يعد الاتحاد الأوروبي واحداً من أكثر الأماكن جاذبية حول العالم، خاصة لهؤلاء الذين تعاني …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *