حقوق الإنسان في مواجهة الإرهاب

الرئيسية / ساحة الرأي / حقوق الإنسان في مواجهة الإرهاب

طارق شديد

صحفي وباحث

إن ما يبرر الحرب على الإرهاب هو ما يؤدي إليه الإرهاب من انتهاك مروِّع لحقوق الإنسان؛ فالأعمال الإرهابية تحرم الإنسان من التمتع بمختلف الحقوق التي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية الراعية لهذه الحقوق، وقد يصل ذلك إلى حد حرمان الإنسان من حقه في الحياة، وهو أكثر الحقوق التصاقاً بالإنسان.

وفي ظل الأوضاع الصعبة التي يواجه فيها عالمنا المعاصر موجات العنف والإرهاب، نسمع دائما من يضيق ذرعا ويدين كل من يتحدث عن حقوق الإنسان، وغالبا ما يستند إلي تصوير الأمر وكأنه تعارض بين احترام حقوق الإنسان وتطبيق القانون علي المجرمين.

والحقيقة أن حقوق الإنسان تبدأ بـ”الحق في الحياة”، أي أن المطالبة بها تبدأ بإدانة أي عمليات إرهاب، ويقترن بهذا الحق حق آخر هو حرية الجسد من أي أذى بما في ذلك التعذيب. فنحن أمام منظومة متكاملة تقوم علي الالتزام بتطبيق القانون وما ينتج عن هذا الالتزام من حماية حق المواطنين في الحياة الآمنة وإدانة كل صور الترويع للمواطنين الآمنين، وفي الوقت نفسه معاملة المقبوض عليهم في إطار قانوني. وليس من حقنا أن نتغاضي عن أي جانب لحساب الجانب الآخر.

وهناك أيضا من يري، أنه في الوقت الذي يُقتل فيه أفراد الأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون (الشرطة) وكذلك أفراد القوات المسلحة بأيدي الإرهابيين دفاعا عن المواطنين، فإنه ليس من اللائق أن يتحدث أحد عن حقوق الإنسان. وهذا موقف خاطئ عانت بعض الدول (ومنها مصر) في الماضي من نتائجه العملية معاناة شديدة، فالذين تعرضوا للتعذيب والمعاملة الحاطة بالكرامة في الستينات من القرن الماضي هم الذين اعتنقوا بعد ذلك (فكر التكفير) وبرروا للإرهاب ومارسوه في السبعينات، فقد كتب (سيد قطب) في سجنه كتابه (معالم في الطريق) الذي كفر فيه المجتمع، وأباح فيه الخروج علي هذا المجتمع الكافر، وسار علي طريقه (شكري مصطفي) مؤسس “جماعة المسلمين” التي اشتهرت بإسم جماعة “التكفير والهجرة”، والتي قامت بخطف الشيخ الأزهري الدكتور (محمد حسين الذهبي) وزير الأوقاف وشؤون الأزهر الأسبق وقتلته، ونفذت عمليات إرهابية أخري، هكذا يولد الإرهاب من رحم تجاهل حقوق الإنسان.

وقد تكرر الأمر في التسعينات مع الموجة الإرهابية العاتية التي راح ضحيتها المئات من المواطنين العاديين الأبرياء في مقدمتهم الطفلة شيماء، جنبا إلي جنب الدكتور فرج فودة والدكتور رفعت المحجوب، ومحاولات اغتيال رئيس الوزراء ووزير الداخلية ونجيب محفوظ وغيرهم.

من هنا أهمية أن نراجع موقف البعض من تصوير الأمر وكأن القضاء علي الإرهاب يتطلب تجاهل حقوق الإنسان. أو أن المطالبين في هذه الظروف العصيبة باحترام حقوق الإنسان يساعدون علي استمرار الإرهاب وتصويرهم وكأنهم من أنصار الإرهاب. فليس هناك تعارض بين أن تقف في خندق مواجهة الإرهاب والمطالبة في الوقت نفسه باحترام حقوق الإنسان، لأن التوجهين ينبعان من موقف واحد هو الانطلاق من سيادة القانون، وخضوع الجميع حكاما ومحكومين لسيادة القانون. نحاسب من يرتكب جريمة القتل أو يمارس عملا إرهابيا بكل حسم، وفي الوقت نفسه نحافظ علي الكرامة الإنسانية ونحترم حق الإنسان حتي لو ارتكب جريمة في معاملة قانونية سليمة.

فهذا هو أساس بناء الديمقراطية في أي مجتمع؛ لأن الديمقراطية مفهوم شامل يقوم علي المساواة بين الجميع في الخضوع للقانون، ويكفل للمواطن حقوقه وحرياته، ومن واجبنا جميعا مهما كانت الصعوبات التي يواجهها المجتمع، أن نحافظ علي سلامة الرؤية وألا نضل عن الطريق الصحيح فنغلب جانبا علي حساب الآخر، ذلك أن مواجهة الإرهاب بحسم تتطلب إعمال القانون بالنسبة للمجرمين، وتتطلب في الوقت نفسه حماية حق كل مواطن في احترام حقوقه حتي لو كان مشتبها به أو متهما إلي أن تثبت إدانته.

ومن ناحية أخرى، إذا كان بعض الناشطين في مجال حقوق الإنسان يرصدون بعض الانتهاكات التي ترتكب من بعض رجال الأمن أثناء مواجهتهم للإرهاب، فإن أفراد الشرطة في الوقت نفسه يلعبون دوراً أساسياً في حماية حقوق الإنسان. ومن ثم، فإن العمل الشُرطي يحتل مكانا في صميم النطاق الواسع لخطاب حقوق الإنسان. والواقع أن التطورات في كيفية نظر المنظمات المعنية بحقوق الإنسان للشرطة وتعاملها معها قد عكست التطورات التي طرأت على الخطاب الأوسع لحقوق الإنسان: فبدلاً من التركيز على بواعث القلق بشأن حالات تستهدف بعض مسؤولي الأمن في الدولة، أصبح هناك دور متزايد للمشاركة مع مسؤولي الدولة في السعي إلى منع انتهاكات حقوق الإنسان.

ويمكن للاستراتيجيات الرامية إلى منع انتهاكات حقوق الإنسان أن تخرج من دائرة المواجهة إلى التعاون. فمن شأن التعامل مع أفراد الشرطة باعتبارهم حماة لحقوق الإنسانً أن يمثل فرصة سانحة لزيادة التعاون بحثا عن مجالات للاهتمام المشترك استنادا إلى المفهوم العام بأن مبادئ حقوق الإنسان والعمل الشُرطي يسيران يدا بيد. فمبادئ حقوق الإنسان لا تعوق العمل الشُرطي، بل إنها على العكس توفر لأفراد الشرطة حيزاً لممارسة مهامهم واستخدام صلاحياتهم بشكل قانوني. وينبغي ألا يصبح أفراد الشرطة خصوماً لدعاة حقوق الإنسان، بل يمكنهم بدلاً من ذلك أن يصبحوا شركاء لهم ويسعون إلى تحقيق أهداف مماثلة.

والحقيقة أن انتهاج منظمات حقوق الإنسان لنهج يقر بمخاوف الشرطة وواقعها ويتفهم لغة الشرطة، سوف يكون أكثر فاعلية من نهج يعزل نفسه جانبا ويكتفي بالانتقاد من موقعه الخارجي. والمؤكد أن مثل هذا النهج يتطلب أن يكون جهاز الشرطة إيجابيا في تعامله مع بواعث القلق بشأن حقوق الإنسان، ومع الإصلاحات القائمة على أساس مبادئ حقوق الإنسان إذا لزم الأمر.

ويمكن لمنظمات حقوق الإنسان أن تلعب دوراً مهماً في تطوير الخطاب المتعلق بالأمن وفي دعم برامج تطوير العمل الشرطي بما يتماشى مع مبادئ حقوق الإنسان. ولتحقيق هذا الهدف، فإن ثمة حاجة لفهم أكثر شمولاً لقطاع الأمن ولجوانب عمله، والنظر لأفراد الشرطة باعتبار أن لهم حقوقاً أيضا!.. فقد نشر “المنبر الأوروبي للشرطة وحقوق الإنسان”، الذي تشارك فيه الشرطة والمنظمات غير الحكومية (بما فيها منظمة العفو الدولية) ويعمل تحت رعاية المجلس الأوروبي، كتيبا عنوانه “لأفراد الشرطة حقوق أيضا!”، وهو يناقش الحقوق التالية: (الحقوق أثناء الخدمة: الحق في الحياة.. والحقوق في مكان العمل: الحق في الخصوصية، والحق في حرية التعبير وتكوين الجمعيات، والحق في عدم التعرض للتمييز.. والحقوق الخاصة بحقوق العمل الملائمة.. والحقوق الخاصة بالإجراءات التأديبية أو الجنائية).

ولذا، ندعو كافة المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان إلي القراءة الصحيحة لما يجري علي الساحتين الإقليمية والدولية، حيث تهدد جماعات مسلحة الأمن والاستقرار في الكثير من الدول، وينتهكون حق أبنائها في الحياة بما يتعارض مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وكافة المواثيق الدولية المعنية، وكذلك القيام بعرض الحقائق على الرأي العام في دولهم. وينبغي على المنظمات الحقوقية أن ترفع صوتها بالإدانة الكاملة لكافة أعمال العنف المسلح ولمرتكبي الأفعال الإرهابية – بصرف النظر عن هويتهم أو بواعثهم السياسية – باعتبار تلك الجرائم تشكل انتهاكاً صارخاً للحق في الحياة لرجال الأمن والمواطنين الأبرياء، والذي يعد أسمى قيم حقوق  الإنسان.

إن الضرورة تحتم الخروج من دائرة المواجهة بين منظمات حقوق الإنسان وأفراد الشرطة إلى التعاون. ومن شأن التعامل مع أفراد الشرطة باعتبارهم حماة لحقوق الإنسانً أن يمثل فرصة سانحة لزيادة التعاون بحثا عن مجالات للاهتمام المشترك استنادا إلى المفهوم العام بأن مبادئ حقوق الإنسان والعمل الشُرطي يسيران يدا بيد.

 

                                                                                                                                                       طارق شديد

                                                                                                                                                      صحفي وباحث

عن arabfhr

شاهد أيضاً

المعضلة في هجرة القُصَّر غير المصحوبين بذويهم إلى أوروبا (الجزء الأول)

نبذة يعد الاتحاد الأوروبي واحداً من أكثر الأماكن جاذبية حول العالم، خاصة لهؤلاء الذين تعاني …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *