المعضلة في هجرة القُصَّر غير المصحوبين بذويهم إلى أوروبا (الجزء الأول)

الرئيسية / ساحة الرأي / المعضلة في هجرة القُصَّر غير المصحوبين بذويهم إلى أوروبا (الجزء الأول)

هديل محمد الفرا

مرشح دكتوراه وكاتب مع الاهتمام باللاجئين

نبذة

يعد الاتحاد الأوروبي واحداً من أكثر الأماكن جاذبية حول العالم، خاصة لهؤلاء الذين تعاني بلدانهم من المشاكل السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية أو ترزح تحت نير النزاعات والحروب. وخلال العقود الأخيرة، أصبح اللاجئون وطالبو اللجوء مشكلة، مما تطلب التعاون بين دول الاتحاد الأوروبي، خاصة عندما يتعلق الأمر ببعد جديد من المشكلة، وهو هجرة الأطفال غير المصحوبين بذويهم إلى أوروبا. ولا تزال مواجهة هذه الظاهرة تمثل تحدياً وتحتاج إلى الكثير من مراحل التطوير والتنفيذ خلال السنوات المقبلة.

المعضلة في هجرة القُصر غير المصحوبين بذويهم إلى أوروبا

لقد أصبحت هجرة الأطفال كظاهرة غير معتادة واحدة من الملفات الأكثر إثارة للقلق حيث تنطوي على قضايا ومخاوف دولية. ففي العقود الأخيرة، ونظراً للتغيرات السريعة في أنماط الهجرة، تم إدراجها بقدر كبير من الأهمية في مختلف الدراسات الأكاديمية والمحافل الدولية المعنية بالهجرة. واجتذبت كذلك اهتمام العديد من المؤسسات الحكومية وجمعيات المجتمع المدني، وأصبحت بؤرة تركيز العديد من الاتفاقات الثنائية والجماعية بين البلدان المختلفة. فلا يعقد أي اجتماع، سواء كان رسمي أو غير رسمي، إلا وينظر في هذا الموضوع كأحد أولويات برنامج أعماله مما يؤكد على أهمية هجرة القُصر في تشكيل سياسات اللاجئين المستقبلية وبناء العلاقات الدبلوماسية الثنائية.

يدخل سنوياً عدد غير معروف من الأطفال المهاجرين غير المصحوبين بذويهم إلى أوروبا أو أجزاء أخرى من العالم. وفي حالات كثيرة، يُختطف هؤلاء الأطفال أو يُستدرجوا لارتكاب أعمال إرهابية أو يتم استغلالهم جنسياً، ويسافر معظمهم بدون وثائق رسمية. وفي بعض الأحيان يترك الأطفال بلدانهم بإرادتهم الحرة، أو بتوجيه من ذويهم لحمايتهم من الاضطهاد، أو الحروب، أو الظروف الاقتصادية العسيرة التي يواجهونها في بلدانهم الأصلية. ومن الصادم معرفة أن الأطفال المشردين يمثلون العدد الأكبر من اللاجئين والنازحين في جميع أنحاء العالم، وخاصة الصور المؤلمة للأطفال من البلدان العربية الذين أجبرتهم الحرب والعنف على الهجرة عبر البحر وطلب اللجوء في وجهات مجهولة، الأمر الذي قد ينتهي بملاقاتهم لحتفهم. ووفقاً لمنظمة اليونيسيف: “تم ترحيل 28 مليون طفل من ديارهم بسبب العنف والصراعات الدائرة داخل الحدود وعبرها، بينهم 10 مليون طفل لاجئ، ومليون طالب لجوء لم يُحسم بعد وضع اللجوء الخاص بهم، وحوالي 17 مليون طفل نازح داخل بلدانهم، وهم في حاجة ماسة إلى المساعدة الإنسانية وإمكانية الحصول على الخدمات الحيوية”. (UNICEF, 7 September 2016)

لذا يجب أن نأخذ في الحسبان أمراً بالغ الأهمية، وهو بالتحديد برامج إعادة التأهيل للأطفال اللاجئين في الدول المضيفة ودول إعادة التوطين في أوروبا وإيجاد السبل لجمع شملهم مع أسرهم. ويجب أن تكون فرص جمع شمل الأسر عاملاً أساسياً في القرار حول إمكانية إعادة توطين الأطفال. كما ينبغي أيضاً على الدول الأوروبية اتخاد خطوات ملموسة لضمان ألا تكون إعادة التوطين عاملاً مقيداً لإمكانية جمع شمل الأسر في المستقبل. فعلى سبيل المثال، يتحتم تقصير فترات الانتظار ومنح الأولوية لتعجيل معالجة طلبات الأطفال للحد من الآثار الضارة للانفصال الأسري المطول على التطور النفسي والاجتماعي للأطفال. كما يجب أيضاً إيلاء الاهتمام للترويج لمبادرات الدمج، خاصة تلك التي تهدف إلى الجمع ما بين الأطفال اللاجئين وذويهم مع شبكات وأعضاء المجتمع الجديد، وتوفير الدعم للأطفال وذويهم على حد سواء، وإلحاق الأطفال بالمدارس، وذلك من خلال تقديم العناية لكل طفل على حدة إلى جانب توفير الاستشارة التعليمية والاجتماعية بشكل مستمر ضمن المجتمع الجديد.

لقد أصبحت برامج إعادة التوطين جزءاً حيوياً من الجهود التي تبذلها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) خلال سعيها إلى توفير حلول فعالة وممارسة الضغط من أجل مشاركة أكثر إنصافاً لمسؤولية اللاجئين ما بين المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمجتمع الدولي. وفي إطار هذا التركيز، ينبغي تعزيز عمليات إعادة التوطين لتلبية الاحتياجات والحماية الضرورية للأطفال والمراهقين اللاجئين  بشكل أفضل.  وينبغي زيادة الاستثمار في الترويج الاجتماعي وخدمات الرعاية الاجتماعية المقدمة للأطفال في بلدان اللجوء الأول وإعادة التوطين، فمن شأن ذلك مساعدة الأطفال اللاجئين في إيحاد حياة مستقرة وحلول طويلة المدى لهم ولذويهم. يجب أن تتماشي معالجة طلبات القُصر غير المصحوبين بذويهم في أوروبا بشكل عام مع مصلحة الأطفال وأسرهم المشتتة على النحو الوارد في التشريعات الدولية لحقوق الإنسان واتفاقية حقوق الطفل  (OHCHR, 20 November 1989). ويجب أن يكون القُصر غير المصحوبين بذويهم الذين يصلون إلى حدود الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي قادرين على طلب الحماية الدولية ويكون لهم حق التمثيل. كما ينبغي منح الأطفال إمكانية البقاء في الدولة المضيفة إلى أن يحصلوا على قرار نهائي حول وضعهم.

          تواجه الدول المضيفة عدداً من الأوضاع المفعمة بالتحديات حيث تنشأ عوامل عديدة عن تدفق القُصر المتزايد، مثل عدم توفر بيانات قابلة للمقارنة بين الدول المستقبلة والسلطات في بلدانهم الأصلية، وتقييم أعمار الأطفال، والاختفاء من مرافق الاستقبال، وبالطبع تعقب أسر هؤلاء القُصر في بلدانهم الأصلية. كما يتعين على سلطات الهجرة التركيز على التمييز بين الأطفال طالبي اللجوء بحثاً عن الحماية وهؤلاء الذين يعبرون الحدود بشكل غير شرعي بحثاً عن فرصة عمل. وينبغي على المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والاتحاد الأوروبي، وشركائهما مواصلة تحديد مناهج مبتكرة لحماية الأطفال من الاستغلال والإساءة إليهم خلال مرحلة الانتقال من النزوح إلى أماكن إعادة التوطين التي سيكون لها تأثير دائم على حياتهم. ومن المهم دعم تقوية أنظمة حماية الطفل الوطنية لإفادة جميع الأطفال بدون استثناء، ولا يقل عن ذلك أهمية استمرار التعاون بين الدول لضمان احترام المبادئ الحالية وإطارات العمل المتعددة التي تنظم الحماية والمساعدة المقدمين للأطفال (EU, 26 June 2014).

هديل محمد الفرا، مرشح دكتوراه وكاتب مع الاهتمام باللاجئين، والمفاوضات الدولية والمفاوضات بين الثقافات التي تتخصص في منطقة الشرق الأوسط

عن arabfhr

شاهد أيضاً

حقوق الإنسان في مواجهة الإرهاب

إن ما يبرر الحرب على الإرهاب هو ما يؤدي إليه الإرهاب من انتهاك مروِّع لحقوق …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *