ماذا بعد انضمام فلسطين لاتفاقية مناهضة التعذيب؟•

الرئيسية / ساحة الرأي / ماذا بعد انضمام فلسطين لاتفاقية مناهضة التعذيب؟•

الدكتور، عمر رحال

مدير مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية

ما من مناسبة إلا ودعت مؤسسات حقوق السلطة الوطنية الفلسطينية للانضمام إلى الاتفاقيات الدولية، بل إن تلك المؤسسات كانت تعيب على السلطة تلكؤها في عدم الانضمام إلى اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، والى البرتوكول الاختياري على وجه التحديد. على اعتبار أن هذا الانضمام سيكون له بلا ريب انعكاساته الايجابية الكبيرة  والفورية على حالة حقوق الإنسان في فلسطين.

ففي تاريخ 14/5/2013  أصدر الرئيس محمود عباس”أبو مازن” قراراً  بشأن التأكيد على جميع الجهات ذات العلاقة بالتوقيف والاحتجاز والتحقيق بضرورة الالتزام بنصوص القانون الأساسي والقوانين ذات العلاقة التي تمنع أشكال التعذيب كافة، وتحظر المعاملة المهينة وتحرم السلوك الذي يمس بالكرامة الإنسانية، والتأكيد على احترام الاتفاقيات والمواثيق والمعاهدات والإعلانات الدولية كافة والمتعلقة باحترام حقوق الإنسان. والذي جاء استناداً إلى تقرير الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان (التقرير السنوي للهيئة رقم (18) لعام 2013) . فقد كان ذلك القرار بمثابة نصر لحركة حقوق الإنسان في فلسطين، وتتويجاً لنضالها الدءوب لاحترام حقوق الإنسان والدفاع عنها.

جاء انضمام فلسطين إلى خمسة عشرة منظمة ومعاهدة واتفاقية دولية ومن ضمنها اتفاقية مناهضة التعذيب بتاريخ 1/4/2014، ليس تتويجاً لنضالات حركة حقوق الإنسان الفلسطينية وتقاريرها ومطالباتها وآليات ضغطها المختلفة، بل ردة فعل من قبل القيادة السياسية على تهرب حكومة الاحتلال من التزاماتها اتجاه عملية السلام، ولكن مجرد الانضمام لهذا الكم من الاتفاقيات ودون تحفظ هو انجاز حقوقي بحد ذاته، وبارقة أمل جديدة لنشطاء حقوق الإنسان يمكن البناء عليها .

ولكن هذا الانضمام لم يضع حداً للانتهاكات، بل أن التقارير الصادرة عن مؤسسات حقوق الإنسان تؤكد أن لا تغيرات جوهرية على الواقع، وحتى المواطن العادي لم يشعر أن هناك فرقاً أو أن هناك مرحلتين يمكن أن نؤرخ بها( قبل الانضمام وبعد الانضمام) . (التقرير السنوي للهيئة رقم (21) لعام 2016).

 

حظر التعذيب على الصعيد الدولي

تنص المادة 5 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على منع التعذيب وغير ذلك من ضروب سوء المعاملة. كما حظرت المادة 7 من نظام روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية التعذيب واعتبرته جريمة ضد الإنسانية إذا ارتُكبت كجزء من هجوم أوسع نطاقا يستهدف أي مجموعة من المدنيين مع العلم المسبق بوقوع هذا الهجوم. وعلاوة على ذلك، تنص المادة 8 من نظام روما على أن التعذيب وغير ذلك من ضروب سوء المعاملة تشكل جرائم حرب عند ارتكابها كجزء من خطة أو سياسة عامة أو حملة واسعة النطاق لارتكاب هذا النوع من الجرائم. وعندما تُرتكب جريمة التعذيب أو سوء المعاملة في سياق النزاعات المسلحة غير الدولية، فسوف تشكل خرقا لأحكام المادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع الصادرة عام 1949. كما يشكل التعذيب وسوء المعاملة خروقات خطيرة لاتفاقية جنيف الصادرة في 12 أغسطس/ آب 1949، وذلك وفق تعريفها الوارد في المادة 147 من اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين في أوقات الحرب. وتشكل الخروقات المرتكبة لاتفاقيات جنيف جرائم حرب عملا بأحكام المادة 8 من نظام روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية.( جمعية الوقاية من التعذيب،2009) .

كما حظر التعذيب من قبل الأسرة الدولية بقرار أممي استناداً إلى قرار الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 52/149 المؤرخ 12 كانون الأول 1997، بهدف القضاء التام على التعذيب وتحقيقاً لفعالية أداء اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 كانون الأول 1984، حيث اعتبرت التعذيب جريمة بموجب القانون الدولي، وهو محظور تماماً، ولا يمكن تبريره في ظل أية ظروف وفق جميع الصكوك الدولية ذات الصلة. ويعتبر حظر التعذيب جزء من القانون العرفي الدولي، فهو ملزم لكل أعضاء المجتمع الدولي دون اعتبار لما إذا كانت الدولة قد صادقت على المعاهدات التي تحظر التعذيب صراحة أو لم تصادق عليها.(اتفاقية مناهضة التعذيب، 1984).

أن اعتبار مبدأ الحظر قاعدة آمرة، يتماشى تماماً مع القواعد الدولية لعدم تقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، حيث تكون كل القواعد الاتفاقية أو العرفية الدولية المخالفة لمبدأ عدم التقادم باطلة، إذ يشكل هذا المبدأ عاملا آخر لمكافحة الإفلات من العقاب واللامسؤولية لمرتكبي الانتهاكات الجسمانية لحقق الإنسان الأساسية، كما أن القيمة الآمر لمبدأ الحظر تشكل دعامة أساسية لقاعدة إجرائية أخرى، ألا وهي قاعدة الاختصاص العالمي حيث تمثل هذه القاعدة التكامل بين القضاء الداخلي والقضاء الدولي من جهة، وقيد على تحركات مرتكبي جريمة التعذيب من جهة أخرى.(علي 2006).

تشكيل الهيئة الوطنية لمناهضة التعذيب

قد يتساءل البعض عن الخطوات التالية لانضمام فلسطين إلى اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، يقيناً أن هناك مجموعة من الأفكار والاقتراحات الخلاقة التي قد تبرز عند طرح هذا التساؤل سواء من متخصصين أو حتى من مهتمين بالموضوع، أود هنا أن أؤكد أن تشكيل “هيئة وطنية لمناهضة التعذيب” يجب أن يكون أولوية، ليس لأن ذلك من باب الترف الفكري، بل لأن ذلك يستند ‘للبرتوكول الاختياري الملحق باتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة’ لعام 2002. ليس ذلك هو الأفضل والأنجع لحظر التعذيب أو لإنصاف الضحايا فحسب، بل تأكيد من النظام السياسي الفلسطيني على أنه يخطي خطوات إلى الأمام لاحترام كرامة مواطنيه، وعلى إعلاء قانون حقوق الإنسان، بأن يكون أسمى من القوانين العادية وأقل من القانون الأساسي.

إن تأسيس”هيئة وطنية لمناهضة التعذيب” يعني أن اتفاقية مناهضة التعذيب ستصبح جزء لا يتجزأ من التشريع الفلسطيني النافذ، وبالتالي يمكن التمسك بنصوصها أمام المحاكم الوطنية على اختلاف درجاتها وأنواعها ، هذا يعني ابتدأً مواءمة التشريعات الفلسطينية مع اتفاقية مناهضة التعذيب، وهذا ينسجم مع القوانين الفلسطينية ذات الصلة ( المادة 13 و 16 من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل للعام 2003) .حسناً فعل المشرع الفلسطيني بالنص على تجريم التعذيب في القانون الأساسي، ولكن يبقى إصدار قانون لحظر التعذيب هو أمر مهم، ولكن الأهم من كل هذا وذاك أن يحظر التعذيب في الممارسة وأن يصبح حظر التعذيب بمثابة ثقافة .

كما أن إنشاء”هيئة وطنية لمناهضة التعذيب” هو بمثابة تتويج لجهود الحكومة، ولجهود مؤسسات حقوق الإنسان ، كما أن ذلك سيوحد من الجهود الرسمية والأهلية للقضاء على هذه الظاهرة، وسيزيد من التعاون والعمل المشترك والتكاملية في الأداء. ليس فقط في عقد الأنشطة والمؤتمرات وإصدار الدراسات والأبحاث، وإنما لحماية كرامة المواطن، وللقيام بزيارات الدورية لمراكز الإصلاح والتأهيل والحجز والتوقيف، وإجراء المراجعة الدورية للإجراءات المتبعة في مراكز الإصلاح والتأهيل والحجز والتوقيف لتأكد من مدى مطابقتها للمعايير الدولية، كما أن إصدار تقارير ربعية وسنوية حول حالة التعذيب في فلسطين، سيعني مزيداً من الرقابة والمسؤولية والمساءلة المجتمعية لمكافحة ظاهرة التعذيب .

إن تشكيل الهيئة الوطنية لمناهضة التعذيب”من خبراء وخبيرات وأصحاب اختصاص في القانون،والقانون الدولي الإنساني، وقانون حقوق الإنسان ، ومن نشطاء في حقوق الإنسان، وأطباء شرعيين، وأطباء نفسيين، وأخصائيين اجتماعيين ونفسيين، وإعلاميين،وأساتذة جامعات،وقضاة، من خلال قانون ،ينضم عملها وبين اختصاصها وآليات تشكيلها  وتمتعها بالاستقلالية المالية والإدارية وأن يكون لها مجلس أمناء من أشخاص موثوقين ذو سمعة حسنة، وطاقم تنفيذي مهني، سيؤكد بلا أدنا شك على أن الإرادة السياسية متوافرة لحضر التعذيب وحفظ كرامة الإنسان واحترام إنسانيته.

المراجع

  1. القانون الأساسي الفلسطيني المعدل للعام 2003 .
  2. (التقرير السنوي للهيئة رقم (21) لعام 2016)
  3. (التقرير السنوي للهيئة رقم (18) لعام 2013)
  4. جمعية الوقاية من التعذيب،2009 ، التعذيب في القانون الدولي ،القاهرة : وكالة اشرف رضا للطباعة والدعاية والإعلان .
  5. علي محمد الصغير ،2006 ، مدخل للعلوم القانونية ، نظرية القانون نظرية الحق : الجزائر دار العلوم .
  6. اتفاقية مناهضة التعذيب، 1984.
  • الدكتور، عمر رحال: مدير مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية “شمس، فلسطين ، مقال بعنوان ماذا بعد انضمام فلسطين لاتفاقية مناهضة التعذيب “مقدمة إلى الفدرالية العربية لحقوق الإنسان ، حزيران 2017 .

عن arabfhr

شاهد أيضاً

حقوق الإنسان في مواجهة الإرهاب

إن ما يبرر الحرب على الإرهاب هو ما يؤدي إليه الإرهاب من انتهاك مروِّع لحقوق …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *