المرأة السعودية.. خطوات نحو التمكين

الرئيسية / ساحة الرأي / المرأة السعودية.. خطوات نحو التمكين

فاطمة هزاع

عضو اتحاد كتاب مصر

بديهي أن التنمية الحقيقية والنمو الاقتصادي والنجاح الدولي لأي مجتمع، لا يمكن أن يتحققوا إلا عندما يستخدم موارده البشرية إلى أقصى حد ممكن ويعتمد علي جهود الرجال والنساء سويا. وعلى الرغم من وجود تحديات كبيرة في مجال تعزيز حقوق المرأة والنهوض بها في المنطقة العربية، إلا أن المبادرات الأخيرة التي اتخذتها المملكة العربية السعودية للنهوض بالمركز الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للمرأة في مجتمعها تمثل قفزات نوعية وتظل محل تقدير كبير محليا ودوليا.

فقد حصلت المرأة السعودية خلال الأسابيع الأخيرة على مجموعة من الحقوق التي كن قد منعن عنها طيلة عقود مضت؛ فقد حضرت مئات من السعوديات الاحتفال بعيد المملكة الوطني في ملعب الملك فهد في العاصمة الرياض، بعد أن سمح لهن بدخول ملعب رياضي للمرة الأولى.. وكانت “فاطمة باعشن” أول سعودية تشغل منصب المتحدث الرسمي في سفارة لبلادها (بالولايات المتحدة الأمريكية).. وتبنى مجلس الشورى مؤخرا قرارا يجيز للمرأة أن تصدر فتاوى شرعية بعد أن اقتصرت هذه المهمة على الرجال لأكثر من 45 عاما، وكان 107 عضوا في مجلس الشورى قد صوتوا لصالح القرار من أصل 150 عضوا، وذلك بعد أن تقدمت إحدى أعضاء المجلس بتوصية نادت بمشاركة الأكاديميات الاختصاصيات في الفقه في مجال الإفتاء، وسيتم اختيار المفتيات بأمر ملكي.. كما تداولت وسائل إعلام محلية أن قانونا لمكافحة التحرش في المملكة سيتم إعداده قريبا.

ولكن جاء قرار الملك سلمان بالسماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة والطائرة مثلها مثل شقيقها الرجل، أكثر المبادرات الأخيرة شهرة وترحابا باعتباره خطوة رمزية مهمة جدا تشير إلى أن المملكة العربية السعودية تمضي بخطى سريعة في مجال تمكين المرأة، ويمثل عاملا فارقا في مسيرة تطور حقوق المرأة في المملكة، وفي تعزيز مساهمتها بمسيرة التنمية الحضارية داخل مجتمعها.

لقد بدت هذه المبادرات والقرارات منصبة على تعزيز دور المراة في المجتمع، فيما يبدو أنه جزء من إطار خطة الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي المستقبلية، “رؤية المملكة 2030″، أو كنماذج تطبيقية لما جاء فيها حول أوضاع المرأة السعودية والتي جاء فيها: “تبدأ رؤيتنا من المجتمع وإليه تنتهي… ينبثق هذا المحور من إيماننا بأهمية بناء مجتمعٍ حيوي يعيش أفراده وفق المبادئ الإسلامية ومنهج الوسطية والاعتدال معتزين بهويتهم الوطنية وفخورين بإرثهم الثقافي العريق”. وجاء أيضا “ولعل أبرز ما يميز مجتمعنا التزامه بالمبادئ والقيم الإسلامية وقوة روابطه الأسرية وامتدادها، مما يحثنا على تزويد الأسرة بعوامل النجاح اللازمة لتمكينها من رعاية أبنائها”. كما أن من أهداف الرؤية “رفع نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل من 22 في المائة إلى 30 في المائة”. وأيضا “تمكين المرأة واستثمار طاقاتها”.

والحق أن هذه المبادرات تنسجم مع المواثيق الدولية التي أصبحت المملكة طرفاً فيها، ومع حاجة المرأة السعودية لتمارس دورها في المجتمع بكل كفاءة، مما سيكون له الكثير من الآثار الإيجابية على تسهيل حياة المرأة وضمان حقوقها الاقتصادية والاجتماعية. وتأتي استكمالا لما حققته المملكة العربية السعودية على مدى الأعوام الماضية في مجال حقوق المرأة والمتمثل في تعيين نساء في مجلس الشورى، وإصدار قانون بشأن العنف الأسري، وتسهيل حصول النساء على الخدمات الحكومية، وزيادة فرص دخولهن لسوق العمل.

لقد كانت ثمة منظومة متكاملة من خطاب يتهم المرأة ويحاصرها، ويشكل عائقا تجاه أي تمكين لها من قبل تيارات بعينها، وهي تيارات متشددة ومتطرفة في فهمها للإسلام، تروج مفاهيمها ومصطلحاتها بخصوص المرأة، مثل أن المرأة قاصر وغير كاملة الأهلية، وأنها عورة وليست شريك في البيت والعمل والوطن، وأن تعليمها حرام وعملها حرام وخروجها من منزلها حرام، متجاهلين أن هذه حقوق أصيلة لها كفلها لها الإسلام لتكون عنصرا فاعلا في مجتمعها ورافدا مهما لدولتها ووطنها، وأنها عالة على غيرها في كل شأنٍ يخصها، متناسين أنها يجب أن تكون مسؤولة عن نفسها وتبني مستقبلها بيدها، كما تجاهلوا أن الاختلاط هو أمر طبيعي كان موجودا في كل المجتمعات، بما فيها المجتمع في العصر النبوي.

ولكن في الأخير، لا يصح إلا الصحيح، فالرؤى الوسطية المعتدلة ستنتصر، وبهذه المبادرات وجد المجتمع السعودي الخطى باتجاه الحداثة والتطور، ومواكبة التحولات العالمية في ما يتعلق بالحقوق والحريات وتدعيم الحقوق المدنية بين مختلف فئاته، لا سيما في ما يخص المساواة بين الجنسين.

ومن المتوقع أن تصل المرأة السعودية قريبا إلى منصب وزيرة وسفيرة للمملكة، وأن تؤدي دورا أكبر في المسيرة التنموية لبلادها، بعد المبادرات والقرارات السابقة التي سيكون لها انعكاسات اقتصادية واجتماعية كبيرة ستبدأ بالظهور تدريجيا. وهذا سيساعد على تلاشي سوء الفهم والصورة النمطية السائدة للمرأة العربية في الغرب. وأدعو صانعي القرار والنخب السياسية والثقافية الدوليين إلى الاعتراف بالتغيير الجاري ودعم هذا التغيير، بدلا من مجرد تكرار الصورة النمطية الثابتة للمرأة في المنطقة العربية.

 

                                                                                                                                    فاطمة هزاع                                                                                                                                                    عضو اتحاد كتاب مصر                                                                                                                                          الشارقة – 5 أكتوبر   2017

عن arabfhr

شاهد أيضاً

حقوق الإنسان في مواجهة الإرهاب

إن ما يبرر الحرب على الإرهاب هو ما يؤدي إليه الإرهاب من انتهاك مروِّع لحقوق …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *