في اليوم العالمي للتسامح … التسامح انتصار على الذات

الرئيسية / ساحة الرأي / في اليوم العالمي للتسامح … التسامح انتصار على الذات

الدكتور، عمر رحال

مدير مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية

يحتفل العالم في 16/11 من كل عام باليوم العالمي للتسامح ، حيث يرجع تاريخ التفكير في إعلان اليوم العالمي للتسامح إلى عام 1993 حين اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم (126/ 48) الذي يقضي بأن يكون عام 1995 هو “العام الدولي للتسامح”، بناء على مبادرة من المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والتعلية والثقافة (اليونسكو) في دورتها الثامنة والعشرين، المنعقد في باريس،  بتاريخ 16 تشرين الثاني 1995 . حيث أعتمد مؤتمر “اليونسكو” إعلان مبادئ بشأن التسامح والذي يتكون من ديباجة و (6) مواد .

وفي 12 كانون الأول عام 1996 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم (95/ 51)، ودعت بموجبه الدول الأعضاء فيها إلى الاحتفال بـ”اليوم العالمي للتسامح” في يوم 16 تشرين الثاني من كل عام. وبناء على ذلك اعتمدت الدول الأعضاء “إعلان مبادئ التسامح الأممي”. وهو مناسبة سنوية عالمية، يحتفل فيها العالم بقيم ومعاني التسامح والاحترام المتبادل بين الأمم والحضارات، ويدعو إلى محاربة روح التعصب والانغلاق والكراهية، ترسيخاً للسلم الأهلي والعالمي ودعماً للمشترك بين الثقافات البشرية[1].

تشكل ثقافة التسامح وقبول الآخر الأرضية الحقيقية للحوار والتعرف على الآخر كما هو، وهي أداة حقيقية لتعزيز وتجذير الثقافة الديمقراطية في المجتمع ، إن ثقافة التسامح هي أداة لتوسيع نطاق الحوار بين مختلف الفئات المعنية باحترام حقوق الإنسان . فالإرادة المشتركة التي تحدونا جميعاً في الإسهام في تعزيز قيم التسامح ، من خلال تضافر جهودنا ، في سبيل صناعة المستقبل المزدهر ، وتشبثنا بالقيم الإنسانية وتعلقنا بمبادئ الحوار التي تستلهم روح الحضارات والثقافات الإنسانية المتعاقبة عبر العصور ، تحتم علينا بذل جهود مضاعفة لتشجيع فكرة التسامح  والإسهام في دعم كل الجهود المبذولة على أكثر من صعيد ، وإشاعة روح التسامح والتعايش، من خلال تعزيز الحوار وقبول الآخر [2].

إن تحقيق فعالية أكبر وجدوى أعمق لنشر مبادئ التسامح يقتضي الإقتداء بدولة الإمارات العربية المتحدة التي أنشأت وزارة للتسامح في سابقة هي الأولى من نوعها في العالم ، وتعد دولة الإمارات العربية المتحدة حاضنة لقيم التسامح والسلم والتعددية الثقافية، وكفلت قوانينها للجميع الاحترام والتقدير، وجرمت الكراهية والعصبية وأسباب الفرقة والاختلاف، كما أن الدولة تعد شريكاً أساسياً في اتفاقيات ومعاهدات دولية عدة ترتبط بنبذ العنف والتطرف والتمييز، وهذا تأكيد آخر على أن الثقافة العربية الإسلامية زاخرة بالتسامح والحوار وقبول الآخر، فالرسول الكريم عليه السلام، هو قدوتنا في التسامح، وهو المعلم الأول ، فعندما دخل مكة فاتحاً ، والمشركون مجتمعون قرب الكعبة ينتظرون حكم الرسول فيهم ، فقال لهم الرسول عليه السلام  «ما تظنون أني فاعل بكم؟»، فقالوا: «خيرًا أخٌ كريمٌ وابن أخٍ كريمٍ»، فقال: «لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ»، وترتب على هذا العفو العام حفظ الأنفس من القتل أو السبي، وإبقاء الأموال المنقولة والأراضي بيد أصحابها. وقال حديثه المعروف “اذهبوا فأنتم الطلقاء” . ونال بذلك أهلُ مكة عفوًا عامًّا رغم أنواع الأذى التي ألحقوها بالرسول محمدٍ عليه السلام ودعوته، ومع قدرة الجيش الإسلامي على إبادتهم، ولكنه عفا عنهم ، أليس هذا التسامح بحد ذاته ،( فالعفو عند المقدرة) [3].

المطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى إقامة المنتديات في أكثر من منطقة وإقليم ، تقوم على مبادرات من المؤسسات والمنظمات ذات الاهتمام المشترك ، ومن الجامعات والمحافل الثقافية والأكاديمية [4]، ومؤسسات المجتمع المدني ومؤسسات حقوق الإنسان من أجل تُكرَّس جهودها لإشاعة قيم الحوار  والتسامح وقبول الآخر . إن إحدى القضايا الأكثر جوهرية بالنسبة للرقي الإنساني الحقيقي، وبما أن التسامح هو شكل التعايش العقلاني للقيم، من هنا تصبح مهمة تأسيس منظومة القيم وتعايشها الطبيعي الصيغة العلمية الضرورية للتسامح نفسه.إن التسامح لا يعني تقبل الظلم الاجتماعي أو تنحي المرء عن معتقداته والتهاون بشأنها، إنما يعني أن يبقى المرء حراً في التمسك بمعتقداته وأن يتق بل أن يتمسك الآخرون بمعتقداتهم، والإقرار بأن البشر مختلفون ولهم الحق في العيش بسلام وهو يعني عدم فرض آراء الفرد على الغير.

التسامح هو وحده الذي يضمن بقاء الإنسانية طالما كان التنوع والاختلاف هو أمر ملازم للوجود الإنساني وسنة كونية لا مناص عنها. وان حرص إعلان المبادئ على تعريف التسامح بنفي الفهم المغلوط عنه فهو لا يعني عدم المبالاة وهو لا يعني قبول كل شيء دون أي تحفظ، بل هو يعني احترام التنوع الذي يزخر به هذا العالم وقبوله والتصالح معه، وهو في جوهره “اعتراف بحقوق الإنسان للآخرين”، والتسامح لا يعني الاستعلاء، ولا يحمل في طياته أية دلالة على أن الشخص المتسامح أرفع مرتبة من أي شخص”. والتركيز على “مفهوم” التسامح هو جزء من الجهود المبذولة لنشر ثقافته، لذلك فان مفهوم التسامح باعتباره فضيلة تعكس قلب الإنسانية النابض بالمحبة والوئام والسلام. إن تعزيز القيم الإنسانية والتربوية لحقوق الإنسان تنطلق من إشاعة قيم التسامح باعتبارها جزءاً حياً وفاعلاً في هذه الحقوق، ولا شك أن الأديان السماوية نادت بإشاعة ثقافة التسامح بين البشر كما نادى بها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان  وأن جوهر التسامح قائم على مبدأ الحق في الاختلاف. وضرورة نشر وتعزيز قيم التسامح في المجالات السياسية والثقافية والاجتماعية [5].

من هنا فإن هناك ضرورة للعمل على الصعيد التعليمي للتبشير بجوهر التسامح وضرورته، والعمل على  تعزيز دور الحكومات في تبني المعاني الواردة في إعلان مبادئ التسامح الأممي عبر النظم التعليمية وهذا يتطلب بالضرورة إعادة النظر في كثير من المناهج التعليمية التي تدرس للناشئة وتغذي فيهم روح التعصب والانغلاق والكراهية. لذلك من الأهمية بأن يكون واضحاً للجميع أن التسامح ضرورة لبقاء الإنسانية وتطورها، وهو مطلوب في هذا الوقت أكثر من أي وقت مضى خاصة وأن العالم يزداد اتساعاً وثراء وتنوعاً كل يوم بل كل ساعة، وكما توجد تحديات حقيقة أمام سيادة معاني التسامح تعكسها الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة[6] .

كما أن التسامح ضروري بين الأفراد وعلى صعيد الأسرة والمجتمع المحلي. وبإمكان وسائل الإعلام أن تضطلع بدور بناء في تيسير التحاور والنقاش بصورة حرة ومفتوحة، وفي نشر قيم التسامح وإبراز مخاطر اللامبالاة تجاه ظهور الجماعات والأيديولوجيات غير المتسامحة. فالعالم اليوم هو في أمس الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى ثقافة التسامح والتعايش السلمي ونبذ الفرقة والخلافات والنزاعات والحروب التي عانتها الإنسانية كثيراً . وقد آن الأوان لأن تسود المحبة والألفة بين الأمم والشعوب . ولتصبح جميع أيام السنة أيام تسامح وتعاون مثمر إيجابي لإعمار الأرض وخدمة البشرية في جميع المجالات وللرفع من شأن الإنسان، وحماية وتعزيز حقوقه والإسهام في إشاعة التسامح والحوار والأمن والسلام[7].

إن عدم التسامح يؤدي إلى موت الفكر وغياب الديمقراطية، وإلغاء حقوق الإنسان، وإلى رفض الحوار وتداول السلطة. إن غياب ثقافة قبول الآخر وروحية التسامح وأخلاقية العفو هو من أكثر العوامل السلبية التي تعاني منها المجتمعات ،فالاحتراب والإقصاء والخطاب التعبوي الإلغائي، كلها عوامل تعيق نشر وتعزيز ثقافة نفي الآخر ، لذلك فإن تعميق مبدأ التسامح في الوجدان والممارسة ،هو المقدمة الأساسية إلى تحرير الإنسان من كافة أشكال العبودية والقهر والتسلط. ولذلك التسامح بحاجة إلى قوة أكبر بكثير بكثير من الانتقام .

 

[1] . http://www.unesco.org/new/ar/unesco/about-us/ الموقع الرسمي لمنظمة اليونسكو .

[2]. محمد المزين، دور الجامعات الفلسطينية في ترسيخ قيم التسامح لدى طلبتها من وجهة نظرهم ، رسالة ماجستير ، جامعة الأزهر ، فلسطين ، 2009 .

[3] . https://islamstory.com/- التاريخ الإسلامي دون تشويه .

[4]  . الدكتور ،  يحيى محمود النجار، الدكتور عطاف محمود أبو غالى ، دور التعليم العالي في تعزيز قيم التسامح من وجهة نظر الطلبة وأعضاء الهيئة التدريسية جامعة الأقصى نموذج ،شهر1/2017 مجلة جامعة الأقصى، سلسلة العلوم الإنسانية المجلد الحادي والعشرون، العدد الأول، ص425.

[5] .للتفصيل أكثر أنظر/ي ، الدكتور أشرف عبد الباقي ، التراث والتغير الاجتماعي (التسامح الاجتماعي بين التراث والتغير) ، (القاهرة : مركز البحوث العربية – الإفريقية ،2005) .

[6] . الدكتور، عبد الحسين شعبان ، قيم التسامح  في الفكر العربي الإسلامي المعاصر ، محاضرة ، ألقيت 17/12/2009 ،في روتردام بدعوة من الجامعة الإسلامية والمنتدى العربي في هولندا .

[7] . للتفصيل أكثر، أنظر/ي الدكتور،غنطوس جريس،التسامح وأخوة الديانات وحرية الشعوب،(عمان:الجامعة الأردنية، 2005).

 

عن arabfhr

شاهد أيضاً

حقوق الإنسان في مواجهة الإرهاب

إن ما يبرر الحرب على الإرهاب هو ما يؤدي إليه الإرهاب من انتهاك مروِّع لحقوق …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *